الاثنين، 23 أغسطس 2010

رمضان - بين الأمس واليوم



اختلفت عادات النساء وطقوسهن وكذلك برامجهن خلال شهر رمضان الكريم - قديماً عنه في وقتنا الحاضر - حيث تحكي لنا الحاجة أم أحمد : أن النسوة قديماً وتحديداً في شهر رمضان الكريم الذي كان غالباً ما يصادف وقت المصيف " موسم المضاعن " والذي تنتقل فيه العوائل البحرينية عامة و الكرزكانية خاصة ، إلى النخيل أي "البساتين" من أجل التحدير(1).
في ذلك الموسم - شديد الحرارة في الغالب- تتوزع مهام النساء بين القيام بجمع الحطب والخراف (2) و السفاف (3)  كـ عمل السميم والحصر والكلات ، وبين القيام بالمهام المنزلية " كـ عمل خبز الرقاق وإعداد وجبة الفطور " البسيطة ".

وبعد تناول وجبة الفطور تتجه النسوة إلى المأتم حيث الأدعية والأذكار إلى أن ينتهي الوقت لترجع النسوة إلى بيوتهن ، وتواصل أم أحمد حديثها بالقول : عندما أرجع إلى منزلي " في المضعن " كنت أقوم بعمل السحور والذي يكون في الغالب " عيش ( رز ) مع سمك " أو " عيش مع لبن " .. إلى أن يأتي المسحر ليوقظ النائمين لتناول وجبة السحور.

بعد صلاة الصبح ، يبدأ يوم جديد من النشاط والتعب المضني بالنسبة لتلك النسوة حيث يخرجن للقيام بأعمالهن – أي القيام بكل الأمور السالفة الذكر - أما وقت الراحة فغالباً ما يكون بعد صلاة الظهر حيث تخلد النسوة إلى النوم .

أما الحاجة " أم منصور " فتحكي لنا كيف كانت حياة النسوة قديما ً والتي تصفها " بالبسيطة جداً " خصوصاً مع انتشار الفقر والجهل بين الناس في القرية ،وتقول : بعد أن تنهي النسوة جميع أعمالهن اليومية "نهاراً" تتجهن إلى برك السباحة لتسبحن فيها وتغطسن بكامل جسدهن دون مراعات للأحكام الشرعية لأنهن يجهلنها بالأساس ، هذا بالإضافة إلى مجالس الغيبة والنميمة أثناء تجمع النساء في وقت الضحى في المضعن في الظل "الفيه" ، حيث تجتمع جميع النسوة للقيام بالسفاف " عمل السميم والحصر ".

ومن جانب آخر – كما تقول الحاجة أم منصور – قديماً ونتيجة لعدم توفر المياه في المنازل ، كان الولف و العيون المنتشرة في القرية أنذاك ملتقى لأولئك النسوة - لقضاء حاجتهن سواء فيما يتعلق بحمل المياه إلى منازلهن أو غسل الثياب والأواني . وفي أثناء ذلك تحصل المشاجرات العنيفة دون مراعاة لشهر رمضان الكريم " .

وبخصوص المأتم تقول : اتذكر قديماً – وفي وقت الضحى تحديداً تذهب النسوة إلى المأتم النسائي " المأتم الوحيد بالقرية أنذاك " وهو مأتم بنت محمد القارية ، حيث تقضي فيه النسوة وقتهن بالاستماع إلى الدعاء والأذكار ، وعندما تنتهي " الملاية " من الدعاء ، تقوم النسوة بممارسة بعض الطقوس وذلك بترديد بعض الأهازيج التي يطلق عليها " بحبوح جناتي " ، حيث تجلس النسوة على أرجلهن - على شكل دائري – فتبدأ احداهن وغالباً ما تكون " الملاية " بترديد اغنية بحبوح جناتي لترددها جميع النسوة فيما بعد وهن " يحبون على أرجلهن " إلى أن ينتهي الوقت لترجع النسوة إلى بيوتهن أو " المضعن " .

ومع تغير الحياة وتطورها في هذه القرية تغيرت أنماط معيشة الناس ومنهم النسوة ؛ فاختفت الكثير من العادات والطقوس، وظهرت حالة مغايرة مرتبطة بحالة التدين التي أخذت تستشري بين أهالي القرية ، فانتشرت المآتم بشكل أكبر وعمت المجالس الحسينية أرجاء القرية خصوصاً في الشهر الفضيل .. هذا التوجه الديني انعكس أيضاً على العلاقات الاجتماعية بين النساء بشكل عام ، فقد عاشت القرية في تلك الفترة في ظل علاقات إجتماعية قوية خصوصاً مع تبادل الزيارات بين الأهالي بالإضافة إلى أن النساء يلتقين يومياً في المأتم الحسينية والأذكار الرمضانية .

ومن جهة أخرى وعلى الرغم من تدني المستوي المعيشي للكثيرين إلا أن أمهاتنا كن حريصات على عمل مختلف المأكولات من أجل توزيعها على كل الجيران والأهل - قديماً كنا نرى " الصينية الرمضانية " الزاخرة بكل الأصناف من المأكولات الشعبية " كالهريس ، الساكو ، البلاليط ، القيمات ، تجول أزقة القرية .

كانت هناك حالة من تعاظم للعلاقات الاجتماعية المتنامية خصوصاً وأن من يقوم بتوزيع تلك الأطباق الرمضانية هن من الفتيات الصغيرات في السن وبالتالي غالباً ما كانت تنشأ علاقة بين الفتيات وبعضهن البعض من جهة ، ومن جهة أخرى بين الفتيات والأهل وكذلك الجيران ، وبالتالي كان أهالي القرية " يعرفون بعضهم بعضاً " .

مع تقادم السنوات تراجعت " تلك العلاقات "خصوصاً وأن تلك الصحون ذات الوشم " الطمغة " المملوءة بالمأكولات المتعددة - لم نعد نراها –

اليوم- استوحشت طرقاتنا وأزقتها مرور تلك الفتيات التي تعودت عليهن طيلة سنوات " في هذا الشهر الفضيل " .

اليوم – تندبهن الطرقات - تقول لهن : أين أنتن يا عزيزاتي " ، إلا أنهن لا يسمعن إما لأنهن " نائمات أو لإنشغالهن بالتلفاز .

وفي أحسن الأحوال أصبحت طرقاتنا ترصد حالة مختلفة – صحون بلاستيكية بمأكولات حديثة بيد الخادمات .

وفيما يتعلق بالزيارات المتعارف عليها بين النساء في القرية ، فلم تعد موجودة ، أما المأتم " المقصد اليومي للأمهات والجدات " قديماً " فقد أصبح اليوم محدداً بأوقات معينة - مواسم معينة تستقطب النساء " وبخاصة الشابات " وغالباً ما يكون " عاشوراء " وعموم وفيات الأئمة والمواليد "بنسبة أقل " .

أما بخصوص شهر رمضان الكريم ، فعلى الرغم من توفر الكثير من البرامج والفعاليات الرمضانية إلى أن الحضور غالباً ما يكون أقل من المستوى المطلوب ويرجع ذلك لعدة أسباب منها مثلاً إنخراط بعض النسوة بالعمل خارج المنزل أو انشغال البعض بالأمور المنزلية والأولاد، وانشغال أخريات بما يبث في التلفاز من برامج ومسلسلات رمضانية ومتابعتهن الحثيثة لها ، و تصفح البعض الآخر ومتابعته للإنترنت .

وكان لظهور الكثير من القنوات الشيعية وتناميها في السنوات الأخيرة أيضاً سبباً في تقاعس الكثيرين ومنهم النسوة عن الذهاب للمآتم الحسينية نظراً لتعدد وتنوع ما يبث في تلك القنوات والذي يتلاءم وذوق الكثير منهن.

وعلى الرغم من ذلك " الفتور " تأتي " ليال القدر " لتتصدر الأولية – مثلها كمثل عشرة محرم الحرام – تلك المناسبة الدينية " الروحانية " التي توطد علاقة الإنسان بربه وتصحح مساره من جديد .ففي كل سنة نرى الجامع والمأتم الكبير وقد ازدحما " بمختلف الأعمار " ، هذا بالإضافة إلى عموم المآتم النسائية بالقرية والتي أخذت على عاتقها إحياء مثل تلك الليالي الرمضانية المباركة " ليالي القدر " .

من خلال عرضنا للموضوع نجد أن رمضان الأمس يختلف عن رمضان اليوم " من كافة النواحي " .. فأين " المسحر ، وأين الزيارات بين الأهالي ، وأين الصينية الرمضانية " ذات صحون الطمغة "العلامة " أوالمكتوب عليها أسماء أصحابها " وأين وأين ...

ومع كل ذلك – ستظل روحانية وخصوصية هذا الشهر المبارك " شهر رمضان " المتمركزة في " ليلة القدر" التي هي خير من ألف شر ، متجددة في كل سنة " لا محال ".





 




































هناك 4 تعليقات:

  1. أولاً اهنئ الكاتبة على هذا التحليل والبحث الجميل الذي يوضح لنا الفارق بين رمضان الأمس واليوم .. كما ان النقاط التي اشير لها من سلبيات في رمضان الحاضر وتأثير الإعلام على النسك الدينية والتقرب لله في طاعاته ..

    ردحذف
  2. على الرغم من الاختلاف الواضح بين رمضان الامس واليوم إلا أن لكل يوم من الشهر الكريم -روحانية لا تقتلها العادة .. نفتقد الكثير .. لوجة الجهالوا - والغبقات بين الجيران لوقت متأخر .. وأكيد .. التواصل الدائم الذي ما عاد كـ سابقاً ..

    أمينة .. جميل أن أكون بين سطورك .. ورمضانك كريم..

    ردحذف
  3. محمد السعيد25 أغسطس 2010 في 3:06 ص

    اشكرك على هذا التحليل الممتاز والواقعي بالنسبة لرمضان الأمس واليوم ، ونحن نتحمل المسئولية عن تغييره ، يجب على الاباء والامهات توجيه ابنائهم للمشاركة في فعاليات تفيدهم وحضور مجالس ذكر الله بدل الجلوس لمتابعة المسلسلات التي لا يوجد منها هدف سوى ابعاد الناس عن هذا الشهر الفضيل وبركاته ، الاهل يتحملون مسئولية سهر الابناء الى الصباح وكانهم اصبحو خفافيش ، ينامون بالصباح وينهضو بالليل

    ردحذف
  4. السلام عليكم...
    رمضان كريم وكل عام وانتي بخير اعاده الله بالخير والبركة..

    ردحذف

التعليقات لا تمثل بالضرورة رأي صاحبة المدونة .